الشيخ محمد الصادقي الطهراني
52
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
والقرآن يجيب عن هذه التطرُّفه الحمقاء ، والتطلُّبة الخواء « أهم يقسمون رحمة ربك » الرحمة التي ربتك حتى أصبح قلبك المنير مشرقاً ، تلك الرحمة العليا الروحية من رسالة السماء ، أهم يعرفونها حتى يقسموها ، ولو عرفوها ولن ! فهي رحمة ربك ، فهو الذي يقسمها كما يشاء لمن يشاء ف « اللَّه أعلم حيث يجعل رسالته » فلا يجعلها في قلوب خاوية عن الحق ، خاملة بالباطل ، قلوب مقلوبة لا تتعلق إلا بزهرات الدنيا وشهواتها ، فتضيع الرسالة فتجعل المرسل إليهم هباءً ! . ويا عجباً وما لهم ورحمت ربك العليا أن يقسموها ، وليس لهم أن يقسموا الرحمة الدنيا : « 1 » « أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ » . « 2 » فهل إن اللَّه يعجز أن يقسم رحمته الرسالية وهم قادرون ؟ أو يجهل وهم عالمون ، أو يبخل وهم لا يبخلون ، أمَّاذا من عطْب أو نقص يقتضي أن يتوكلوا عنه قسمة رحمته دون توكيل « أهم » أولاء الحماقي الجهال ، العجزة البخال ، الأوغال البِطال الرِّذال « يقسمون رحمة ربك » ؟ « نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا » وهم يتطلبون قسمة في الحياة العليا ، فهم أولاء أهل الدنيا يجهلون قسمة معيشتهم الدنيا ، فكيف يطلبون قسمة لمعيشتهم العليا ؟ ! وتفصيل الجواب عن هذه الهرطقة نجدها في مناظرة الرسول صلى الله عليه وآله معهم . « 3 »
--> ( 1 ) . الدر المنثور 6 : 16 - أخرج أحمد والحاكم عن ابن مسعود في قوله تعالى : أهم يقسمون رحمة ربك قال : سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقول : ان اللَّه قسم بينكم اخلاقكم كما قسم بينكم ارزاقكم وان اللَّه يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الذين الا من يحب ومن أعطاه الدين فقد أحبه ( 2 ) . 43 : 32 ( 3 ) . نور الثقلين 4 : 597 ح 28 في كتاب الاحتجاج عن أبي محمد الحسن العسكري عن أبيه عليه السلام قال : ان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله كان قاعداً ذات يوم بفناء الكعبة إذ قال له عبداللَّه بن أمية المخزومي : لو أراد اللَّه ان يبعث الينا ذات يوم بفناء الكعبة إذ قال له عبداللَّه بن أمية المخزومي : لو أراد اللَّه ان يبعث الينا رسولًا لبعث اجل من فيما بيننا مالا وأحسن حالًا فهلا نزل القرآن الذي تزعم أن اللَّه انزله عليك وابتعثك به رسولًا على رجل من الفريتين عظيم : إما الوليد بن المغيرة بمكة وإما عروة بن مسعود الثقفي بالطائف ؟ فقال صلى الله عليه وآله : اما قولك : لولا نزل هذا القرآن على رجل من الفريتين عظيم الوليد أو عروة فان اللَّه ليس يستعظم مال الدنيا كما تستعظم أنت ولا خطر له عنده كما له عندك ، بل لو كانت الدنيا عنده تعدل جناح بعوضة ما سقى كافراً به مخالفاً شربة ماء ، وليس قسمة رحمة اللَّه إليك بل اللَّه القاسم للرحمات والفاعل لما يشاء في عبيده وإمائه وليس هو عز وجل ممن يخاف احداً كما تخافه أنت لما له وحاله فعرفته بالنبوة لذلك ، ولا ممن يطمع في أحد في ماله أو حاله كما تطمع أنت فتخصه بالنبوة لذلك ، ولا ممن يحب احداً محبة الهوى كما تحب فيقدم من لا يستحق التقديم ، وانما معاملته بالعدل فلا يؤثر لأفضل مراتب الدين وخلاله الا الأفضل في طاعته والأجدَّ في خدمته ، وكذا لا يؤخر في مراتب الدين وجلاله الا أشدهم تباطئاً عن طاعته وإذا كان هذا صفته لم ينظر إلى مال ولا إلى حال ، بل هذا المال والحال من تفضله وليس لاحد اكراهه من عباده عليه ضريبة لازب فلا يقال له : إذا تفضلت بالمال على عبد فلا بد ان تتفضل عليه بالنبوة ايضاً لأنه ليس لأحد اكراهه على خلاف مراده ، ولا إلزامه تفضلًا ، لأنه تفضل قلبه بنعمة ، الا ترى يا عبداللَّه كيف اغنى واحداً وقبح صورته وكيف حسن صورة واحد وأفقره ، وكيف شرف واحداً وأفقره وكيف أغنى واحداً ووضعه ؟ ثم ليس لهذا الغني ان يقول : هلَّا أضيف إلى يساري جمال فلان ، ولا للجميل ان يقول : هلا أضيف إلى جمالي مال فلان ؟ ولا للشريف ان يقول : هلا أضيف إلى شرفي مال فلان ؟ ولا للوضيع ان يقول : ولا للشريف ان يقول : هلا أضيف إلى مالي شرف فلان ؟ ولكن الحكم للَّهيقسم كيف يشاء ويفعل كما يشاء ، وهو حكيم في افعاله محمود في اعماله وذلك قوله : وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم - قال اللَّه : - أهم يقسمون رحمة ربك - يا محمد - نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا - فاحوجنا بعضاً إلى بعض ، أحوج هذا إلى مال ذلك وأحوج ذلك إلى سلعة هذا والى خدمته فترى اجلّ الملوك واغنى الأغنياء محتاجاً إلى افقر الفقراء ذلك إلى سلعة هذا والى خدمته فترى اجلّ الملوك واغنى الأغنياء محتاجاً إلى افقر الفقراء في ضرب من الضروب إما سلعة معه ليست معه وإما خدمة يصلح لا يتهيأ لذلك الملك ان يستغني الا به ، وإما باب من العلوم والحكم هو فقير إلى أن يستفيدها من هذا الفقير الذي يحتاج إلى مال ذلك الملك الغني وذلك الملك يحتاج إلى علم هذا الفقير أو رأيه أو معرفته ثم ليس للملك ان يقول : هلا اجتمع إلى مالي لهذا الفقير ؟ ولا للفقير ان يقول : هلا اجتمع إلى رأيي ومعرفتي وعلمي وما اتصرف فيه من فنون الحكم مال هذا الملك الغني ؟